ابن الجوزي

82

صفة الصفوة

قال الحسن : فكتمتها الحسين زمانا ثم حدثته بها فوجدته قد سبقني إليه ، فسأله عما سألته عنه ، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله فلم يدع منه شيئا . قال الحسين : سألت أبي عن دخول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءا للّه وجزءا لنفسه ، وجزءا لأهله ، ثم جزّأه بينه وبين الناس ، فيردّ ذلك بالخاصة على العامة ولا يدّخر عنهم منه شيئا ، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل باذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول : ليبلّغ الشاهد منكم الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة ، لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون روّاء ولا يفترقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلّة ، يعني على الخير . قال : فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ، ويؤلفهم ولا ينفّرهم ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه ، ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في أيدي الناس ، ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويوهيه ، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة . قال : فسألته عن مجلسه ، فقال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر ، وكان إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبهم لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه ممن جالسه ، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم يتعاطفون فيه بالتقوى متواضعين ، يوقرون فيه الكبير ، ويرحمون فيه الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب .